مجمع البحوث الاسلامية

867

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

التّعسّف والافتراء والكذب ، فهم حين ذكروا النّبيّ بأنّه كان يقرأ ويكتب ، ولكنّهم نسبوا إلى رجل أعجميّ أنّه كان هو الّذي يعلّم النّبيّ ، وقال القرآن في ذلك : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ النّحل : 103 . إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لو كان يقرأ ويكتب لجاهره بذلك الّذين يعلمون أنّه يقرأ ويكتب ، بل لصرّح من علّمه القراءة والكتابة بأنّه هو الّذي علّمه القراءة والكتابة . وقد اتّخذ النّبيّ كتّابا للوحي والرّسائل ، كما أنّه حثّ نفرا من الصّحابة على تعلّم بعض اللّغات الشّائعة في ذلك الزّمان . أمّا دعوته للأمّة إلى تعلّم القراءة والكتابة فأمر ثابت . ورغم أنّ الاعتماد على تلاوة القرآن كان من طريق استظهاره فإنّ النّبيّ حرص على كتابته ، وكان هذا معروفا في سياسة القرآنيّة صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ بحيث تولّي عثمان بن عفّان تحقيق هذه المهمّة ؛ إذ ألّف لجنة من كتبة الصّحابة كتبوا القرآن كلّه ، واتّخذوا منه عدّة نسخ وزّعت على الآفاق لإسلاميّة المعروفة ، وقد استغرق ذلك بضع سنين . ومن المعلومات البديهيّة في موضوع القرآن الكريم أنّه مؤلّف من سور عدّتها مئة مئة وأربع عشرة سورة ، غالبها مكّيّ . وكلّ سورة تتضمّن عددا من الآيات غير محدّد ، فبعضها تكون آياتها كثيرة عددا من الآيات غير محدّد ، فبعضها تكون آياتها كثيرة تجاوز المئتين وبعضها تكون آياتها قليلة في نحو ثلاث آيات ، وكان ذلك معروفا منذ العهد المكّيّ . وفي صلب القرآن ما يشير إلى هذه التّسمّيّات ، أي الآية والسّورة . والكلام على القرآن الكريم في نظمه وبلاغته وتنسيقه لا يستوعبه بحث موجز ، وإنّما هو ممّا تؤلّف فيه الكتب والمطوّلات . إنّ أمّيّة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم مسألة ثابتة انعقد عليها إجماع الأمّة في جميع أزمنة التّاريخ ، ولم يكن مثل ذلك ليخفى على من عايش النّبيّ قبل النّبوّة وبعدها ، ولا على من كان يراقبه صلّى اللّه عليه وسلّم مراقبة دقيقة ، من مثل أحبار اليهود وغيرهم . والّذين يدّعون أنّ النّبيّ كان يقرأ ويكتب يحسبون أنّ ذلك ممّا يقدح في صدق نبوّته ، في حين أنّ النّبوّة لا يمكن أن يحقّقها الإلمام بالقراءة والكتابة ، فما أكثر الّذين يقرؤون ويكتبون ، ولا سهم لهم من نبوّة أو رسالة . فإنّ الّذين يحسنون القراءة والكتابة كثيرون ، ولكنّهم لم يظهر فيهم من يملك ما ملكه النّبيّ من الاقتدار على الإتيان بشريعة حكيمة رشيدة ، عالجت مشاكل العالم ورسمت لحياة الأمم منهجا سليما وسديدا . وفي القرآن الكريم أحكام لم تعرف في شرائع أخرى ، كأحكام المواريث والزّواج والطّلاق ، وكذلك ما يتعلّق بالعبادات ، من صوم وصلاة ، وما إلى ذلك من محتوى حين قورن بالدّيانات القديمة ، كان أغزر منها عطاء وأكثر رشادا وأسدّ منحى ، في إصلاح الأمم والشّعوب . على أنّ في القرآن الكريم غيبيّات يعدّ الكلام فيها من قبل كائن بشريّ مجازفة ، لم يقدم عليها أحد من بني البشر . وفي تضاعيف هذا الكتاب ما يوضح كثيرا من هذه النّواحي لمن يقبل على مطالعته بإمعان نظر واهتمام .